السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني

40

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )

نزل بلغتكم ، وأنتم أشدّ تمرنا في النظم واعتيادا بالنثر ، وأكثر علما بالأمور الملائمة للطبائع البشرية وترض للنفوس بإعطاء كل ذي حق حقه ، فإذا كنتم على هذه الحالة ولم تقدروا على إنشاء سورة من مثل هذا القرآن ولن تقدروا البتة ، فاعلموا أنه من عند اللّه حقا ، وأن لو اجتمعت الأنس والجن على الإتيان بمثله لعجزوا ، لأن الآية منه نفسها معجزة والسورة خارقة للعادة ، فكيف بالقرآن كله الذي لا يقدر على الإتيان بمثله غير الذي أنزله . مطلب الفرق بين آيات التحدي على الإتيان بمثل القرآن : والفرق بين هذه الآية وآية البقرة عدد 23 في ج 3 واضح ، لأن المراد هنا بسورة مثل القرآن والمراد بآية البقرة فأتوا بسورة من رجل مثل محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وما قيل إن من هناك زائدة ، قيل لا قيمة له ، إذ لا زائد في القرآن ، فكل قيل بزيادة حرف أو قصة في القرآن قيل غير سديد ، وقائله قد زاد في حده وهو عن الحقيقة بعيد ، فهنا تحداهم اللّه تعالى على الإتيان بسورة مثل القرآن بأحكامه وأخباره وبلاغته وفصاحته ، وهناك على الإتيان بمثله من رجل أمي لا يعرف القراءة والكتابة معروف عندهم مثل محمد ، لأنه أتى به على أميته المحققة عندهم ، فكان معجزا بنفسه ، كما أن الفرق بين هاتين الآيتين وآية هود الآتية بيّن ، لأن تلك تحداهم بها للإتيان بعشر سور منه والإتيان من المخاطبين جميعهم أميهم وقارئهم ، لأنه بعد أن تحداهم بكله في هذه الآية وفي آية الإسراء 89 المارة في ج 1 وظهر عجزهم ؛ تحداهم بأقلّ منه بأن طلب منهم الإتيان بعشر سور منه فقط ، ولم يأتوا ولن يأنوا ، فظهر من هذا أن كل آية مختصة بشيء لا تشمله الآية الأخرى « وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ » لتستعينوا به على ذلك من أمثالكم وآلهتكم التي تزعمون أنها تمدكم في المهمات وتلجئون إليها في المهمات « إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ 38 » في قولكم ، لأنه يستلزم الإتيان بمثله من أفرادكم ويستلزم قدرتكم عليه ، وفي هذه الآية دلالة على إعجاز القرآن ، لأنه عليه الصلاة والسلام تحدّى به على لسان ربه عزّ وجل مصاقع العرب بسورة ما منه ، فلم يأتوا بذلك ، وليعلم أن مجموع ما نزل حين هذا التحدي واحد وخمسون سورة ، وقد تحداهم على الإتيان بمثلها ، فلم يقدروا